الأزرق2009
2008-08-11, 08:33 PM
غريب هو ما جمع بيني و بين ذلك الشاب من علاقة لا أعرف الان تحت اي من المسميات أستطيع أن أضعها، أهي نزوة؟… أم فراغ ثنائي قد وحد بين كلينا؟.. أم هي كما قد كنت أسميتها سابقا حب؟… أم هي كل هؤلاء مجتمعين؟…
انني لا أزال أذكر ذلك اليوم، صدفة القدر تلك التي وضعته في طريقي ووضعتني في طريقه..
كان ذلك في أحد أيام الشتاء، كنت امشي على رصيف احد الشوارع العتيقة الخالية، و كان كل شيء يوحي هناك بالهدوء، على الرغم من صوت المطر و صوت اغنية كانت تنبعث من احدى المحلات التجارية، أعجبتني كلماتها كما اعجبني لحنها الشجي، و ذلك التوافق بين صوتها و صوت المطر الذي زاد من جماية ذلك الهدوء، و قضى على صمت تام...
أردت الدخول الى ذلك المحل لأسأل صاحبه عن تلك الأغنية، لكنني لم أستطع، فلم يكن من اللائق أن ادخل خصيصا لسؤال كهذا.. و لهذا فقدت تعمدت المشي ببطء حتى أستطيع سماعها كاملة..
أذكر أنني سرحت و أن ذهني قد شرد قليلا، و لم أفق من شرودي الا بعد اصطدامي بشاب صدمة قوية كانت كافية كافية لتردني الى صوابي...
أعتذرت له فقد كنت أنا المخطئة، ولكنني تفاجأت بانتهاء تلك الأغنية، الشيء الذي جعلني لاأستطيع مقاومة شعور بالحقد قد تولد داخلي تجاه ذلك الشاب على الرغم من جهلي اياه، و على الرغم من أنني أنا التي كنت المخطئة...
و لم يكن لي لأتوقع أنني سأسمع تلك الأغنية للمرة الثانية، بحضور اخر للشاب نفسه و بمشاعر تختلف تماما عن المشاعر التي أحملها الان...
تابعت طريقي إلى المنزل، وكلمة امنزل تعني لي الوحدة و الملل، فقد كنا اثنتين فقط انا و أمي، بقينا وحيدتين بعد زواج اختي الكبرى، و سفر أخي لإتمام دراسته بالخارج، و وفاة والدي قبل ثلاثة أعوام...
قبلت يد أمي، و طلبت منها الدعاء لي و لأخوتي، و دخلت الى غرفتي...
غرفتي التي لا أعتبرها سوى صندوق مغلق على بعض الأحلام و بعض الأمال و الكثير من الالام... هذه هي غرفتي بجدرانها الكئيبة الموحشة، ليست الا قبرا متواضعا أدفن فيه جثث أوهامي و بقاي خيباتي...
كنت في طريق العودة من الجامعة عندما أن تصدمني سيارة أثناء قطعي للشارع، خرج السائق فزعا يعتذر لي، و لم يكن من الصعب عي أن أميز فيه الشاب الذي اصدمت به قبل أيام، و استطعت ان أخمن انه لم يذكرني.
... ركب السيارة و هو يعتذر لي..
في ذلك اليوم كنت قد انهيت امتحاني الأخير لذلك العام، و بهذا تكون العطلة قد بدأت...
اعتدت في لأيام العطل أن أذهب الى الحديقة التي تقع في الشرع الخلفي لشارعنا لأكتب مذكراتي.
كنت أشعر بأن الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أبوح له بأسراري ليس إلا أوراق بيضاء مجوعة بين دفتين لونهما ازرق سماوي، تنتظر أن تدب بها الحياة ببعض البسمات و الكثير من الدموع، ببع الحبر و الكلمات و الكثير من المشاعر و العواطف.
حملت دفتري قاصدة الحديقة كعادتي، و هناك اخترت ركنا هادئا بعيدا عن الناس... و بدأت الكتابة.
- كيف حالك الان؟ جاءني هذا الصوت من الخلف، استدرت لأعرف من المتكلم، فكان هو....
كان يقف خلفي مبتسما...
ارتسمت معام الدهشة على وجهي لكن سرعان ما تلاشت و تحولت إلى ابتسامة، و قلت بنبرة لا تخل, من التعجب: انت...!
أعاد جملته مرة أخرى و لكن مع ابتسامة اوسع، قال: كيف حالك؟
قلت:
- حمدا لله...
قال:
- و انا ايضا أحمد الله الذي منحني هذه الفرصة حتىأعتذر عما بدر مني اليوم.
قلت:
- لا عليك.. فأنا من يتوجب عليه الاعتذار، كان يجب علي أن أكون أكثر حذرا و أنا أقطع الشارع....
أضاف مبتسما:
- و يجب عليك ذلك عندما تتمشين بمفردك أيضا.
قلت متعجبة، وقد اتسعت عيناي:
- أنت تذكرني مثلما أذكرك إذا! لم اتوقع ذلك..
قال و هو يجذب احد الكراسي:
- أيزعجك أن أجلس معك؟
كنت اعلم أنه كان يجب علي الاعتذار بشكل لائق و أغادر، لكن وجدت نفسي أقول له: تفضل.
جلس على الكرسي المقابل، وقال لي معرفا: اسمي ربيع ياسين، صحفي بجريدة المنبر.
قلت مرحبة: أهلا و سهلا.. و انا حنان جاد الله، طالبة في كلية الحقوق.
قال:
- تشرفت بمعرفتك.
ثم أضاف:
- اتأتين هنا دائما..
قلت:
- تقريبا في أيام العطل, أما في أيا الدوام فنادرا ما أأتي الى هنا..
قال:
- أتصدقين؟ على الرغم من أنني أعمل هنا ننذ فترة لا بأس بها إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أدخل بها هذه الحديقة، و قد كانت صدفة جميلة حتى أتعرف بها عليك...
قال:
- يخيل لي أنك لم تشربي شيء بعد.
قلت معتذرة:
لا.. فلا رغبة لي بشرب شيء.
قال:
- انتظريني قليلا.... و ذهب.
أدركت بأنه ذاهب لشراء شيء لنشربه، ولكنه لم يتح لي مجالا للإعتذار فقد ذهب مباشرة، فجلست أتصفح دفتري ريثما يعود.
لم يغب طويلا، جاء و هو يحمل زجاجتي عصير، وضع واحدة أمامي و الأخرى على الجهة المقابلة و رجع الى مكانه.... قال: اتمنى ان تكوني من محبي عصير البرتقال فقد قصدت شراءه اذ أنه العصير الذي يلقى قبولا من الجميع...
شعرت بالخجل، فلم يكن ذلك من اللائق، اذ أن هذه المرة هي المرة الأولى التي أجلس فيها معه، فشكرته...
سألني:
- ماذا تكتيبن؟
فأجبته و أنا اغلق الدفتر:
- شيء لا يستحق الذكر...
قال:
- ليس هناك من شيء يكتب لا يستحق الذكر، لأننا نكتب ما نظنه الأصدق، او دعينا نقول أننا نكتب الأصدق حقا، لأننا لا نستطيع ان نكذب على أنفسنا، أليس كذلك؟
كنت أنظر اليه و هو يتكلم، أتأمله، لقد كان شابا وسيما بالفعل، تبين لي من طريقة كلامه أن له ثقة بنفسه قلما تراه في شباب هذه الأيام... لا أنكر أنه عجبني من اللقاء الأول..
و كأنه لاحظ شرودي عندما تأخرت بالاجابة، فسألني: فيم تسرحين؟
شعرت بالحرج، فقلت فورا: فيم تقول... أجل, أظنك محق.
قام من مكانه و مد يده يصافحني قائلا: جميل هو لقائي بك اليوم... كنت أود لو كان هناك مزيد من الوقت، ولكن يجب ان اعود الى عملي...
لم أعرف بما أجبه، فقد كان ينتظر مني جوابا، فقلت له: سررت بمعرفتك...
قال مودعا:
- على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي ااتي بها الى الديقة، و لكنني أجزم بأنها لن تكون الأخيرة...
لا أنكر بأنني انزعجت عندما هم بالذهاب، كنت أود لو أنه بقي أكثر... لقد أعجبني حديثه و سحرني حضوره، لكني لم أستطع أن أستبقيه.. و لا أدري لماذا تذكرت ذلك الشعور الذي انتابني عندما رأيته لأول مرة فابتسمت، و تذكرت مثلا كنت أسمعه من امي كثيرا...
لم أستطع النوم في تلك الليلة، فقد كنت أفكر بربيع، و تعجبت من نفسي، كيف يكون قد شغل عقلي هكذا من لقاء واحد...
ان في هذا الشاب لشيء يميزه عن غيره، كلامه، ثقته العالية بنفسه، ملامحه، كل شيء فيه...
...في الصباح كان الوقت يمشي ببطء على غير ما اعتدته في أيام العطل، نظرت الى الساعة فلم تكت تتجاوز العاشرة و النصف... الا تبا لك من ساعة لعينة..
هكذا هي الحياة، تفاجأنا بسرعتها الجنونية عندما نكون أحوج منها الى ذلك الوقت الذي تطويه بين ذراعيها، و يالها من سلحفاة كريهة في الوقت الذي نكن في مع المجهول..
المجهول.... اجل، فأنا لا اذكر أن ربيع قد قال لي ما يؤكد بأنني سأراه اليوم، هو لم يقل لي سوى أن دخوله الأول إلى تلك الحديقة لن يكون الاخير، فلماذا افترضت إذن أنني سأراه اليوم، وكأنه في جملته الأخيرة أراد أن يحمل لي موعدا أخرا، شعرت بحماقتي و أنا أصل الى هذا الحد من التفاؤل، وشعرت بالخجل أيضا لانجراري وراء عواطفي بهذا الشكل الغريب، فماذا لو كان كل الذي قاله لي ليس إلا من باب المجاملة... ذلك جعلني أفكر، ايعقل أن أكون قد أخذت من تفكير ربيع كما قد أخذ هو من تفكيري...
لا، هذه حماقة أخرى أرتكبها بسؤالي هذا خلال دقائق... إذ لا بد أن ربيع قد نسي أمري بمجرد خروجه من الحديقة... و إن حدث و تذكرني فهو بالنسبة له كأي حدث جرى له بالأمس ليس أكثر، بل قد يكون على الأكثر...
و مع ذلك لم أنتظر كثيرا، فقد كنت في حدود الساعة الثانية و النصف أحمل دفتري بين يدي و أخرج من البيت قاصدة الحديقة ذاتها....
في ذلك الركن ذاته كنت أجلس، أنتظر مجيء شخص قد يأتي و قد لا يأتي، أشغل نفسي بالكتابة تارة، و تارة أخرى أشغل نفسي بمراقبة أطفال يلعبون، كان منظرهم جميل، و كانت هذه هي المرة الأولى التي أراقب فيها شيئا كهذا، و تعجبت كيف اني لم أنتبه لجال ذلك.... إذن فهذه إحدى حسنات الإنتظار و أخالها الوحيدة، فهي تعطينا فرصة للتأمل و التمتع بجمالية الظواهر من حولنا.
و جاءني صوته من الخلف مرة أخرى، قائلا: كنت أخشى أن لا تأتي..
قلت و كأنني أخفي تهمة انتظاري له: ألم أقل لك أنني آتي إلى هنا يوميا في أيام العطل.
قال: بلى، و لكنك قلت تقريبا..
شعرت بالسعادة، فهذا يعطيني دليلا بأنني قد خطرت بباله على الأقل، و إن كان على مجيئي فقد صدق، اذ أظنني لما كنت سآتي ذلك اليوم لولا أمل ضئيل برؤيته..
أستطيع القول الآن بأن تلك الجلسة كانت جلسة تعارف فيما بينن، فقد اني بأنه غريب عن هذه المدينة، وقد سكن فيها منذ فترة حتى يبقى قريبا من عمله، و أن أهله يقيمون حاليا في مدينة أخرى و هي مدينته، و علمت أيضا انه قد تخرج منذ عامين، و أن له أخت تقاربني في العمر تدرس في كلية الاقتصاد، أما انا فأخبرته أنني اعيش وحيدة مع أمي و أنني في مرحلتي الجامعية الرابعة، فلم تكن هناك تفاصيل أخرى في حياتي تستحق الذكر، ولا هو كان يحتج لأكثر من ذلك.
و كما في جلستنا الأولى فقد انتهت سريعا، فاستأذنني للرجوع إلى عمله.
تكررت لقاءتنا و جلساتنا، أصبحنا نلتقي دائما في الحديقة نفسها، و نشأت بيننا علاقة وطيدة، يرتاح بالحديث معي و أرتاح بالحديث معه.
خيل إلي انني أعرف ربيع منذ زمن، أو أنه كان يجب علي أن أعرفه منذ زمن، لقد شعرت أنه استطاع كسر جميع الحواجز التي قد تظهر بين أي شخصي في البدايات الأولى لتعارفهما، على الرغم من ذلك الارتباك الذي اشعر به كلما جلست معه.
و في أحد الايام تأخر ربيع على غير عادته، قلقت عليه فقد كانت تلك المرة الأولى التي يتأخر بها... قمت أريد الاتصال عليه من أحد الهواتف العمومية عندما رايته يدخل من البوابة، فجلست.
قال:
- أنا متأسف جدا فلقد اضطررت للتأخر، إذ كان يجب علي أن انهي بعض الاعمال قبل المجئ الى هنا.
قلت:
- لا عليك.. المهم أنك بخير، لقد قلقت عليك كثيرا....... اتود الجلوس؟
قال معتذرا:
- لا أستطيع، فقد جئت لأعتذر منك فقط... انني مشغول جدا هذا اليوم..
أدركت أن الاستياء قد اكتسى ملامحي عندما قال: يمكنك القدوم معي إن أردت ذلك.
ابتسمت و قلت بعفوية: بالطبع اريد..... كان يجب عليك أن تعرض علي ذلاك العرض من قبل فأنا احب تلك الاماكن.
... في الحقيقة أنا لا أحب تلك الأماكن بالذات، و لا أحب غيرها، بل احب كل مكان يجمعني به.
... ذهبت معه إلى العمل، كان مكتبه في الطابق السادس، و كان فيه اربعة مكاتب، اثنان متجاوران و يقابلهما آخران...
عرفني بزملائه.. "هناء" سيدة متوسطة بالعمر قدرت بأنها متزوجة، "سمر" شابة أنيقة جميلة إلى حد ما، كرهت فيها نظراتها التي ترمي بها ربيع بين آونة و أخرى. وأخيرا "عادل" صديق ربيع منذ أيام الطفولة، وقد استمرت صداقتهما حتى الآن، فلم ينقطعا عن بعضهما أثناء دراستهما الجامعية، و حتى بعد الوظيفة.
كان عادل شابا ظريفا يشبه ربيع في خلقه و طريقة تفكيره، فاندمجت معه سريعا.
لم يطل جلوسي هناك، فقمت مودعة و أنا لا أطيق النظر إلى وجه "سمر" إذ انني شعرت أن وجودها و حضورها هناك مزعجان لدرجة.
أوصلني ربيع إلى الباب الخارجي، قال لي: يجب أن أراك اليوم بعد انتهاء الدوام.
قلت:
- لا، لا استطيع ذلك.
قال:
- اتفقنا سأكون بانتظارك بالخامسة و النصف في نفس المكان...... و انسحبز
لم أستطع إلا ان انتظره، على الغم من أنني أعرف تماما موقف أمي في حال تأخري، و لكن الفضول أيضا سيقتلني إن بي الأمر للغد.
لم أكن أصدق أن الوقت اخيرا قد مر عندما رأيته يدخل من الوابة، جلس على الكرسي المقابل، كان متوترا بعض الشيء، لاحظت ذلك من حركة أصابعه.... في الواقع كانت تلك المرة هي المرة الأولى التي أراه فيها على تلك الحال.
قال بعد شئ من الصمت:
- تأخرت عليكي، أليس كذلك؟ ثم أضاف مباشرة دون ان يعطيني فرصة للكلام "و لكنني آسف جدا، لم استطع أن أغادر المكتب قبل ذلك"
قلت:
انني لا أزال أذكر ذلك اليوم، صدفة القدر تلك التي وضعته في طريقي ووضعتني في طريقه..
كان ذلك في أحد أيام الشتاء، كنت امشي على رصيف احد الشوارع العتيقة الخالية، و كان كل شيء يوحي هناك بالهدوء، على الرغم من صوت المطر و صوت اغنية كانت تنبعث من احدى المحلات التجارية، أعجبتني كلماتها كما اعجبني لحنها الشجي، و ذلك التوافق بين صوتها و صوت المطر الذي زاد من جماية ذلك الهدوء، و قضى على صمت تام...
أردت الدخول الى ذلك المحل لأسأل صاحبه عن تلك الأغنية، لكنني لم أستطع، فلم يكن من اللائق أن ادخل خصيصا لسؤال كهذا.. و لهذا فقدت تعمدت المشي ببطء حتى أستطيع سماعها كاملة..
أذكر أنني سرحت و أن ذهني قد شرد قليلا، و لم أفق من شرودي الا بعد اصطدامي بشاب صدمة قوية كانت كافية كافية لتردني الى صوابي...
أعتذرت له فقد كنت أنا المخطئة، ولكنني تفاجأت بانتهاء تلك الأغنية، الشيء الذي جعلني لاأستطيع مقاومة شعور بالحقد قد تولد داخلي تجاه ذلك الشاب على الرغم من جهلي اياه، و على الرغم من أنني أنا التي كنت المخطئة...
و لم يكن لي لأتوقع أنني سأسمع تلك الأغنية للمرة الثانية، بحضور اخر للشاب نفسه و بمشاعر تختلف تماما عن المشاعر التي أحملها الان...
تابعت طريقي إلى المنزل، وكلمة امنزل تعني لي الوحدة و الملل، فقد كنا اثنتين فقط انا و أمي، بقينا وحيدتين بعد زواج اختي الكبرى، و سفر أخي لإتمام دراسته بالخارج، و وفاة والدي قبل ثلاثة أعوام...
قبلت يد أمي، و طلبت منها الدعاء لي و لأخوتي، و دخلت الى غرفتي...
غرفتي التي لا أعتبرها سوى صندوق مغلق على بعض الأحلام و بعض الأمال و الكثير من الالام... هذه هي غرفتي بجدرانها الكئيبة الموحشة، ليست الا قبرا متواضعا أدفن فيه جثث أوهامي و بقاي خيباتي...
كنت في طريق العودة من الجامعة عندما أن تصدمني سيارة أثناء قطعي للشارع، خرج السائق فزعا يعتذر لي، و لم يكن من الصعب عي أن أميز فيه الشاب الذي اصدمت به قبل أيام، و استطعت ان أخمن انه لم يذكرني.
... ركب السيارة و هو يعتذر لي..
في ذلك اليوم كنت قد انهيت امتحاني الأخير لذلك العام، و بهذا تكون العطلة قد بدأت...
اعتدت في لأيام العطل أن أذهب الى الحديقة التي تقع في الشرع الخلفي لشارعنا لأكتب مذكراتي.
كنت أشعر بأن الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أبوح له بأسراري ليس إلا أوراق بيضاء مجوعة بين دفتين لونهما ازرق سماوي، تنتظر أن تدب بها الحياة ببعض البسمات و الكثير من الدموع، ببع الحبر و الكلمات و الكثير من المشاعر و العواطف.
حملت دفتري قاصدة الحديقة كعادتي، و هناك اخترت ركنا هادئا بعيدا عن الناس... و بدأت الكتابة.
- كيف حالك الان؟ جاءني هذا الصوت من الخلف، استدرت لأعرف من المتكلم، فكان هو....
كان يقف خلفي مبتسما...
ارتسمت معام الدهشة على وجهي لكن سرعان ما تلاشت و تحولت إلى ابتسامة، و قلت بنبرة لا تخل, من التعجب: انت...!
أعاد جملته مرة أخرى و لكن مع ابتسامة اوسع، قال: كيف حالك؟
قلت:
- حمدا لله...
قال:
- و انا ايضا أحمد الله الذي منحني هذه الفرصة حتىأعتذر عما بدر مني اليوم.
قلت:
- لا عليك.. فأنا من يتوجب عليه الاعتذار، كان يجب علي أن أكون أكثر حذرا و أنا أقطع الشارع....
أضاف مبتسما:
- و يجب عليك ذلك عندما تتمشين بمفردك أيضا.
قلت متعجبة، وقد اتسعت عيناي:
- أنت تذكرني مثلما أذكرك إذا! لم اتوقع ذلك..
قال و هو يجذب احد الكراسي:
- أيزعجك أن أجلس معك؟
كنت اعلم أنه كان يجب علي الاعتذار بشكل لائق و أغادر، لكن وجدت نفسي أقول له: تفضل.
جلس على الكرسي المقابل، وقال لي معرفا: اسمي ربيع ياسين، صحفي بجريدة المنبر.
قلت مرحبة: أهلا و سهلا.. و انا حنان جاد الله، طالبة في كلية الحقوق.
قال:
- تشرفت بمعرفتك.
ثم أضاف:
- اتأتين هنا دائما..
قلت:
- تقريبا في أيام العطل, أما في أيا الدوام فنادرا ما أأتي الى هنا..
قال:
- أتصدقين؟ على الرغم من أنني أعمل هنا ننذ فترة لا بأس بها إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أدخل بها هذه الحديقة، و قد كانت صدفة جميلة حتى أتعرف بها عليك...
قال:
- يخيل لي أنك لم تشربي شيء بعد.
قلت معتذرة:
لا.. فلا رغبة لي بشرب شيء.
قال:
- انتظريني قليلا.... و ذهب.
أدركت بأنه ذاهب لشراء شيء لنشربه، ولكنه لم يتح لي مجالا للإعتذار فقد ذهب مباشرة، فجلست أتصفح دفتري ريثما يعود.
لم يغب طويلا، جاء و هو يحمل زجاجتي عصير، وضع واحدة أمامي و الأخرى على الجهة المقابلة و رجع الى مكانه.... قال: اتمنى ان تكوني من محبي عصير البرتقال فقد قصدت شراءه اذ أنه العصير الذي يلقى قبولا من الجميع...
شعرت بالخجل، فلم يكن ذلك من اللائق، اذ أن هذه المرة هي المرة الأولى التي أجلس فيها معه، فشكرته...
سألني:
- ماذا تكتيبن؟
فأجبته و أنا اغلق الدفتر:
- شيء لا يستحق الذكر...
قال:
- ليس هناك من شيء يكتب لا يستحق الذكر، لأننا نكتب ما نظنه الأصدق، او دعينا نقول أننا نكتب الأصدق حقا، لأننا لا نستطيع ان نكذب على أنفسنا، أليس كذلك؟
كنت أنظر اليه و هو يتكلم، أتأمله، لقد كان شابا وسيما بالفعل، تبين لي من طريقة كلامه أن له ثقة بنفسه قلما تراه في شباب هذه الأيام... لا أنكر أنه عجبني من اللقاء الأول..
و كأنه لاحظ شرودي عندما تأخرت بالاجابة، فسألني: فيم تسرحين؟
شعرت بالحرج، فقلت فورا: فيم تقول... أجل, أظنك محق.
قام من مكانه و مد يده يصافحني قائلا: جميل هو لقائي بك اليوم... كنت أود لو كان هناك مزيد من الوقت، ولكن يجب ان اعود الى عملي...
لم أعرف بما أجبه، فقد كان ينتظر مني جوابا، فقلت له: سررت بمعرفتك...
قال مودعا:
- على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي ااتي بها الى الديقة، و لكنني أجزم بأنها لن تكون الأخيرة...
لا أنكر بأنني انزعجت عندما هم بالذهاب، كنت أود لو أنه بقي أكثر... لقد أعجبني حديثه و سحرني حضوره، لكني لم أستطع أن أستبقيه.. و لا أدري لماذا تذكرت ذلك الشعور الذي انتابني عندما رأيته لأول مرة فابتسمت، و تذكرت مثلا كنت أسمعه من امي كثيرا...
لم أستطع النوم في تلك الليلة، فقد كنت أفكر بربيع، و تعجبت من نفسي، كيف يكون قد شغل عقلي هكذا من لقاء واحد...
ان في هذا الشاب لشيء يميزه عن غيره، كلامه، ثقته العالية بنفسه، ملامحه، كل شيء فيه...
...في الصباح كان الوقت يمشي ببطء على غير ما اعتدته في أيام العطل، نظرت الى الساعة فلم تكت تتجاوز العاشرة و النصف... الا تبا لك من ساعة لعينة..
هكذا هي الحياة، تفاجأنا بسرعتها الجنونية عندما نكون أحوج منها الى ذلك الوقت الذي تطويه بين ذراعيها، و يالها من سلحفاة كريهة في الوقت الذي نكن في مع المجهول..
المجهول.... اجل، فأنا لا اذكر أن ربيع قد قال لي ما يؤكد بأنني سأراه اليوم، هو لم يقل لي سوى أن دخوله الأول إلى تلك الحديقة لن يكون الاخير، فلماذا افترضت إذن أنني سأراه اليوم، وكأنه في جملته الأخيرة أراد أن يحمل لي موعدا أخرا، شعرت بحماقتي و أنا أصل الى هذا الحد من التفاؤل، وشعرت بالخجل أيضا لانجراري وراء عواطفي بهذا الشكل الغريب، فماذا لو كان كل الذي قاله لي ليس إلا من باب المجاملة... ذلك جعلني أفكر، ايعقل أن أكون قد أخذت من تفكير ربيع كما قد أخذ هو من تفكيري...
لا، هذه حماقة أخرى أرتكبها بسؤالي هذا خلال دقائق... إذ لا بد أن ربيع قد نسي أمري بمجرد خروجه من الحديقة... و إن حدث و تذكرني فهو بالنسبة له كأي حدث جرى له بالأمس ليس أكثر، بل قد يكون على الأكثر...
و مع ذلك لم أنتظر كثيرا، فقد كنت في حدود الساعة الثانية و النصف أحمل دفتري بين يدي و أخرج من البيت قاصدة الحديقة ذاتها....
في ذلك الركن ذاته كنت أجلس، أنتظر مجيء شخص قد يأتي و قد لا يأتي، أشغل نفسي بالكتابة تارة، و تارة أخرى أشغل نفسي بمراقبة أطفال يلعبون، كان منظرهم جميل، و كانت هذه هي المرة الأولى التي أراقب فيها شيئا كهذا، و تعجبت كيف اني لم أنتبه لجال ذلك.... إذن فهذه إحدى حسنات الإنتظار و أخالها الوحيدة، فهي تعطينا فرصة للتأمل و التمتع بجمالية الظواهر من حولنا.
و جاءني صوته من الخلف مرة أخرى، قائلا: كنت أخشى أن لا تأتي..
قلت و كأنني أخفي تهمة انتظاري له: ألم أقل لك أنني آتي إلى هنا يوميا في أيام العطل.
قال: بلى، و لكنك قلت تقريبا..
شعرت بالسعادة، فهذا يعطيني دليلا بأنني قد خطرت بباله على الأقل، و إن كان على مجيئي فقد صدق، اذ أظنني لما كنت سآتي ذلك اليوم لولا أمل ضئيل برؤيته..
أستطيع القول الآن بأن تلك الجلسة كانت جلسة تعارف فيما بينن، فقد اني بأنه غريب عن هذه المدينة، وقد سكن فيها منذ فترة حتى يبقى قريبا من عمله، و أن أهله يقيمون حاليا في مدينة أخرى و هي مدينته، و علمت أيضا انه قد تخرج منذ عامين، و أن له أخت تقاربني في العمر تدرس في كلية الاقتصاد، أما انا فأخبرته أنني اعيش وحيدة مع أمي و أنني في مرحلتي الجامعية الرابعة، فلم تكن هناك تفاصيل أخرى في حياتي تستحق الذكر، ولا هو كان يحتج لأكثر من ذلك.
و كما في جلستنا الأولى فقد انتهت سريعا، فاستأذنني للرجوع إلى عمله.
تكررت لقاءتنا و جلساتنا، أصبحنا نلتقي دائما في الحديقة نفسها، و نشأت بيننا علاقة وطيدة، يرتاح بالحديث معي و أرتاح بالحديث معه.
خيل إلي انني أعرف ربيع منذ زمن، أو أنه كان يجب علي أن أعرفه منذ زمن، لقد شعرت أنه استطاع كسر جميع الحواجز التي قد تظهر بين أي شخصي في البدايات الأولى لتعارفهما، على الرغم من ذلك الارتباك الذي اشعر به كلما جلست معه.
و في أحد الايام تأخر ربيع على غير عادته، قلقت عليه فقد كانت تلك المرة الأولى التي يتأخر بها... قمت أريد الاتصال عليه من أحد الهواتف العمومية عندما رايته يدخل من البوابة، فجلست.
قال:
- أنا متأسف جدا فلقد اضطررت للتأخر، إذ كان يجب علي أن انهي بعض الاعمال قبل المجئ الى هنا.
قلت:
- لا عليك.. المهم أنك بخير، لقد قلقت عليك كثيرا....... اتود الجلوس؟
قال معتذرا:
- لا أستطيع، فقد جئت لأعتذر منك فقط... انني مشغول جدا هذا اليوم..
أدركت أن الاستياء قد اكتسى ملامحي عندما قال: يمكنك القدوم معي إن أردت ذلك.
ابتسمت و قلت بعفوية: بالطبع اريد..... كان يجب عليك أن تعرض علي ذلاك العرض من قبل فأنا احب تلك الاماكن.
... في الحقيقة أنا لا أحب تلك الأماكن بالذات، و لا أحب غيرها، بل احب كل مكان يجمعني به.
... ذهبت معه إلى العمل، كان مكتبه في الطابق السادس، و كان فيه اربعة مكاتب، اثنان متجاوران و يقابلهما آخران...
عرفني بزملائه.. "هناء" سيدة متوسطة بالعمر قدرت بأنها متزوجة، "سمر" شابة أنيقة جميلة إلى حد ما، كرهت فيها نظراتها التي ترمي بها ربيع بين آونة و أخرى. وأخيرا "عادل" صديق ربيع منذ أيام الطفولة، وقد استمرت صداقتهما حتى الآن، فلم ينقطعا عن بعضهما أثناء دراستهما الجامعية، و حتى بعد الوظيفة.
كان عادل شابا ظريفا يشبه ربيع في خلقه و طريقة تفكيره، فاندمجت معه سريعا.
لم يطل جلوسي هناك، فقمت مودعة و أنا لا أطيق النظر إلى وجه "سمر" إذ انني شعرت أن وجودها و حضورها هناك مزعجان لدرجة.
أوصلني ربيع إلى الباب الخارجي، قال لي: يجب أن أراك اليوم بعد انتهاء الدوام.
قلت:
- لا، لا استطيع ذلك.
قال:
- اتفقنا سأكون بانتظارك بالخامسة و النصف في نفس المكان...... و انسحبز
لم أستطع إلا ان انتظره، على الغم من أنني أعرف تماما موقف أمي في حال تأخري، و لكن الفضول أيضا سيقتلني إن بي الأمر للغد.
لم أكن أصدق أن الوقت اخيرا قد مر عندما رأيته يدخل من الوابة، جلس على الكرسي المقابل، كان متوترا بعض الشيء، لاحظت ذلك من حركة أصابعه.... في الواقع كانت تلك المرة هي المرة الأولى التي أراه فيها على تلك الحال.
قال بعد شئ من الصمت:
- تأخرت عليكي، أليس كذلك؟ ثم أضاف مباشرة دون ان يعطيني فرصة للكلام "و لكنني آسف جدا، لم استطع أن أغادر المكتب قبل ذلك"
قلت: